الأحد، 10 أبريل 2011

هل يمكن أن نحيا حياة أفضل - 4

ما نطلبه وما نحصل عليه
"والأَرْضُ تَكبُرُ حِينَ نَجهَلُ
ثُمّ تَصغُرُ حِينَ نَعرِفُ جَهلَنَا .."
تتأرجح حياتنا على هذه الأرض، في كلّ شئونها، بين العلم والجهل. النقيضان المتلازمان المتبادلان المتضامَّان. تعتقد في تبسيطٍ مخلٍّ، أن علمك بالشيء يعني أنك لا تجهله. وجهلك، بالتالي، يعني أنك لا تعلم. لكن العلم بالشيء فضاءٌ أوسعُ بكثير من الجهل به، لأنه دائماً ينطوي على جهل. هنالك العلم الأولي بالشيء، والعلم المعقول أو الإجادة، والعلم الوافي أو الإلمام، والعلم الشامل أو الإحاطة. في العلم الأولي أنتَ جاهل بالعلم الأوسع والأعمق والأشمل بالشيء. حيث التماس بين العلم والجهلُ يكاد يكون التصاقاً، بل بِتَضَمُّن نقيضه، يكاد يكون الشيء نفسه. الجهل حدّ الإنسان وأحدُ أصدقِ أوصافه، ذلك المخلوق العاجز، الفقير، الجاهل. ذلك أمرٌ ننساه دائماً عندما ننظر إلى أنفسنا ومن حولنا. نطلب/نحلم/ندعي القدرة والغنى والعلم، وإذ نُعطى بعضاً من ذلك ننسبه لأنفسنا فإذا بنا نفسد ما حصلنا عليه وننصرف عما يتوجب الاهتمام به.
مَاذَا نُرِيد؟
سؤال بسيط ومعقد: ماذا نريد؟ عمرنا كلّه ينقضي ونحن نحاول أن نجيب على هذا السؤال. هل ما نحتاج إليه فعلا أم ظنا أم ما لن نحتاجه؟ هل الأشياء المادية أم المعنوية، هل الدنيا أم الآخرة، أم – لأجل السهولة وإنهاء النزاع - كلّ ذلك ؟ كيف نرتب هذه الأولويات في كلّ يوم أو حالة؟ وهل نعرف مسبقا أم ندرك لاحقا خطأ اختيارنا؟. يقال أن اختياراتنا تصنعنا، لكننا قادرون على إفساد/تشويه الوضوح البسيط لهذا الإدراك، أو الجهل حقاً، بالادعاء أو التبدل المستمر للوعي بالأشياء.
رغم وجودها المجرد فالأشياء حولنا لا توجد بمعزل عن إدراكنا لها. من جهة ليس من وجودٍ مستقلٍ للأشياء خارج وعينا، ومن جهة هنالك وجودها المجرد المحض الذي لا صلة له بنا وبالتالي لا قيمة له – يمكننا الزعم - مثل مجرات بعيدة جداً لا نعرفها ولا نعرف ما فيها لكن حياتنا لا تتأثر بذلك.
هل يمكن الوصول لنقطة تتغير شكلاً ومكاناً على الدوام؟ هل يخطر لنا أننا نخطئ في الوصول لما نريد لأننا ربما لا نعرف على وجه التأكيد ماذا نريد؟ هل يتغير علمنا بالشيء وإدراكنا له، ومن ثم يتغير الشيء نفسه في أعيننا وعقلنا. هل نتغير نحن أيضا في هذا الأثناء فيتغير الشيء في أذهاننا. بين أحلام الطفولة البسيطة الساذجة وربما البريئة، وطموحاتنا الهائلة المعقدة والأنانية كناضجين يتغير كلّ شيء بسبب تغيرنا نحن وبسبب الوعي الذي راكمناه من الخبرات.

المُقيّدُ يَطلُبُ المُطلَق
الإنسان كائنٌ مقيَّد، ليس بمقدوره – مطلقاً فيما يبدو- اكتناه المطلق أو إدراكه. لكن هذا الإدراك يتحرر مرةً بعد مرةً من قيوده، وليس بالضرورة بسبب تراكم الخبرات. التراكم لا ينجز ذلك، التحرر والانفتاح على الممكن ووضع القيود، التي أدرك الإنسان حدودها لصالح الحقيقة والمطلق، هو الذي يعزز سيرورة التحرر. إننا نقترب من الحقيقة بتخلينا في كلّ مرة عما ليس حقيقةً. بنفيك لما هو زائف تكتشف ما هو حقيقي، كما قال الحكيم. النقض المستمر هو السبيل للإثبات. عندما اُتُهم توماس أديسون بأنه فشل ألف مرة في صناعة المصباح الكهربائي، صحح فكرتهم بأنه (اكتشف ألف طريقةٍ غير صحيحةٍ لصناعة المصباح الكهربائي). بالجهل تقترب من العلم.
لكننا أحياناً لا نطلب الحقيقة ولا نريدها حتى في شكلها المقيَّد. نريد مكاسبَ ومنافع بعينها، وعليه لا ينبغي أن نتباكى لأننا لم نجد الحقيقة. يبدو أنه ليس ممكناً أن تجد شيئا لا تبحث عنه، لأنك لن تدركه ولن تلاحظه أو تنتفع به. وبالتالي فإن كلّ ما تجده ، وتلاحظه وتدركه، ربما تكون بحاجةٍ إليه بشكل ما. لا بد من صِلَة. أقدارك، رزقك المقسوم هو سيناريو حياتك. فِعلُك هو حياتك. ربما لن تستطيع الخروج من السيناريو، لكن لن تتحقق إلا فيه.
غايتنا الرفيعة التي يمكن أن نزعمها – وهي حقاً كذلك- هي المطلق. اقترابنا منه يكون بالتخلي المستمر، وبالنفي المستمر، حيث المعرفة تجعل ممكنا إدراك ما لم يكن ممكنا إدراكه من قبل. طلب ما هو بعد ذلك هو التحدي الذي نختبر فيه الحقيقة فنثبتها أو الزيف فننفيه. لا بد للمقيَّد من وضع الأغلال شيئاً فشيئاً عن كاهله لينطلق بحرية أكبر. ليس للمقيَّد أن يقفز إلى المطلق، لأنه لا يعرفه البتة ولا يعرف عنه أي شيء.
المتصوفة وأهل العرفان يتحدثون عن المقامات الرأسية أو الدوائر. الأطباء يصفون الدواء كجرعات. كلّ شيء هنا – يبدو أنه - دالّة في الزمان والمكان. لا بد من مكانٍ نصل إليه، ولا بد من وقت نستغرقه. هل ذلك حقيقة أم وهم؟
" قال :- كَم تَبَقَّى مِن طَرِيقِك؟
-       كُلُّه.
-       هَلْ كُلُّه يَكفِي لِكَي يَصِل المُسَافِر"
الوجودُ متغيرٌ أبداً
في كلّ لحظة ،كلّ شيء يتغير في هذا الوجود. نسقٌ جديد يحُلُّ والقديم يتنحى. لا يمكن للنسق أو الهيئة أن تستمر بعد لحظة معينة، إذ يتغير مكانُ وطاقةُ كلّ شيء على المستوى الذري ودونه. اللحظات الماضية لا يمكن استعادتها، وتبقى فقط الصور والذكريات المخزونة في الذهن. حتى المشاعر يخفت لهيبها ويخبو ضوؤها ولا تبقى إلا صورها وذكرياتها. دولاب الوقت الدائر أبداً، والوعي المتغير، يُغيِّران كلّ شيء، حينما يضعاه في اطارٍ أوسع، أو يسلطان عليه ضوءاً جديداً.
لا بد أن ننتبه لهذا التنور المائر دوماً، لأننا فعلا لا ننتبه له. نظن أن الأمور على حالها ولا جديد هناك. لعلنا عوَّدنا أنفسنا – فعلاً أو كسلاً - الانتباه فقط للتغيُّرات الكبيرة التي تهزّ عالمنا وتوقظنا من الوَسَن. بالمقابل أغمضنا أعيننا عما يحدث كلّ يوم في هدوء شديد وبدأب لا ينتهي، ذلك الشيء الذي نسميه حياتنا.

الثلاثاء، 15 فبراير 2011

هل يمكن أن نحيا حياة أفضل - 3


أَسْرَى عَالَمِ الصُّوَر
اسْتِهْلَال
"أَسرَى ، ولَو قَفَزَتْ سَنَابِلُنَا عَنِ الأَسْوَار
وَانْبَثَقَ السُّنُونُو مِنْ قَيْدِنَا المَكْسُور ،
أَسْرَى مَا نُحِبُّ وَمَا نُرِيدُ وَمَا نَكُون .."  محمود درويش – الهدهد
التَّوقُّف عن الإِدِّعَاء
ربما نقبل على مضض فكرة أننا لا نعرف أنفسنا بعد، أو لا نعرف أنفسنا كما ينبغي بتعبيرٍ أكثر لياقةً. إذا كانت المعرفة هي الإدراك الواسع والشامل، فالحقيقة هي أننا لا نعرف أنفسنا مطلقا. ما نعرفه عن أنفسنا هو الصور التي أنشأناها عنّا. أنا واضح، صريح، حقاني، طيب، جيد، لا أتحمل الإساءة، لا أفعل كذاءاتٍ معينة، وأفعل كذاءاتٍ غيرها. هذه الصور مجزأة محدودة وليست صادقة تماماً. هنالك إدراكنا لأنفسنا التي نحبها : نُجَمِّلها أكثر، نجعلها ناصعة أكثر، مع لمحة من التواضع الكاذب. وهنالك أيضا إدراكنا لنفسنا التي نخشاها : نتستر عليها، نخفيها. من انصع أنوارنا إلى أحلك ظلماتنا وكل التدرج اللوني بينهما تتجلى حقيقة ما نحن إياه. لكلٍّ منا ظلمته التي لا يريد أن يطلع عليها أحد، ولكلٍّ منا نوره الذي يريد أن يباهي به كل أحد. لننسى كل أحد وننعم النظر في هذه الشساعة المخلة المضطربة المشوشة. هذا أنا وأنت ونحن بلا ادعاء.
سُورُ الذِّكْرَيَات
لنعرف من نحن علينا أن ننظر بانتباهٍ عظيم وأعين مفتوحة على اتساعها للقبح يجاور الجمال فينا، كيف نعيش متناقضين هكذا، مشدودين هكذا بين الأفقين. علينا أن نعترف ثم نتعرف حقا على هذا القبح، أي قبحٍ هو، متى ينهض، متى يكبر وكيف، متى ينجح وكيف ثم نتستر عليه وننكره. ونتعرف على الجمال الذي تخلينا عنه إلا قليلا أي جمالٍ هو، متى ينهض ومتى يكبر وكيف، ومتى يشرق وكيف ثم ندعيه او نباهي به. علينا أن ننظر دون إغماضٍ أو خجل، ودون فخرٍ أو إعجاب. إذ نفتخر نتوقف عن الإدراك، إذا نستحي ونغمض أعيننا نتوقف عن الإدراك. لكننا دائماً نصطدم بسورٍ يحدنا ويغير اتجاه حركتنا، إنه سور الذكريات، اذ نتذكر حادثة او موقف بعينه يؤلمنا وينغص علينا راحتنا بشكلٍ ما، فننصرف اليه نُصَحِّحه في وهمنا نَعتَذر ونُبَرِّر ونَكذِب، ننسى ما كنا نفعل. لا إدراك حقيقي إلا خارج السور، إلا في تجاوزه. كلما سألنا أنفسنا تذكرنا شيئاً فاكتفينا بتلك الذكرى مُعرِّفاً ومُفسِّراً ثم وقعنا أسر الذكرى وشعرنا بالرضا أو الأسى حيال ما لم نعالجه جيداً في حياتنا. علينا أن نمضي إلى حيث لم نذهب من قبل، فلو كان في معرفتنا السابقة ما يُفيد لكنّا أحسن حالاً.
إخْلَاءُ الذِّهْن
يبدو أنه لا يمكن اكتشاف شيء جديد إذا كنا أسرى المعرفة القديمة. إذا كنا نعتقد أن الشمس تدور حول الأرض فلن ينفعنا سهر الليالي لخمسمائة عام في رصد النجوم وحركة السماء، ولكن عند الانفتاح على إمكان وجود تفسير جديد لنظام الكون يمكن تفسير حركة النجوم المتغيرة كما فعل كوبرنيكوس. وكذلك عند الانفتاح على وجود إمكانات هائلة، ونَسَق لم نلاحظه من قبل تتجلى معرفة جديدة.
لعلنا رغم إعجابنا بما نعرف وبأهميته الكبيرة والبناء التراكمي لخبراتنا نكون أقرب إلى الحقيقة عندما نضرب صفحاً عن ذلك كله، نُفرغِّ الذهن عن محتواه تماما. إنه أنفع ما يكون حين نتجاوزه. حينما نتجاوزه لن يزعجنا لو وجدناه غير صالح، أو اختبرناه فعاد علينا بالخلاصة القديمة، ولعلنا سنكون أكثر تيقنا هذه المرة. هذه المقاربة التي لا تركض وراء الفكرة وإنما وراء الحقيقة التي تثبت بعد الاختبار، هي أفضل ما نتعرف به على الحقيقة دائماً. إننا لا نسعى وراء ما نحب أو ما نكره، فقط ننشد حقيقة الأمر. هذه الحرية من كلّ قيد، قيد المعرفة، والذكريات، والوعي، والإدراك؛ قيد الخوف أحياناً، والجبن أحياناً، والعجز أحياناً، والغرور أحياناً، هي الزاد، الأداة، المنهج الذي نطلب به الحق ولعلنا حينها ندركه. بدون الحقيقة نحن في عالمٍ مُتَخيّل، وهمي، صنعناه لنشعر بالأمان أو بالرضا عن أنفسنا، لنشبع غرورنا.  لكن هل نقدر على التخلي عن الذهن الذي تعتمد عليه حياتنا اليومية؟ كلا. علينا أن نتخلى عن وعينا المشروط والمحدود والمقيَّد للذهن المشروط والمحدود والمقيَّد. فقط لا غير.
" أَنْسَى مَنْ أَكُون  لِكَي أَكُون " محمود درويش – قال المسافر للمسافر لن أعود ..
عَالَمُ الصُّوَر
لدينا فكرةٌ عن كلّ شيء، رأيٌ في كلّ شيء، صورةٌ جاهزةٌ لكلّ شيء، كلما ذُكِرَت أمامنا كلمة تخطر في أذهاننا صورٌ معينة. كلما واجهنا موقفاً أو شخصاً تخرج في وعينا صورةٌ معينة. هذه الصور هي خطة الذهن الكسول لعدم بذل الجهد الحقيقي في الاقتراب من الأشياء والناس واكتشاف الجديد. نشكو عندما يضعنا الناس في قوالب ويعاملوننا وفق صور جاهزة، لكننا نفعل بهم نفس الشيء. الأدهى أننا نفعل نفس الشيء حيال أنفسنا. كل ما نعرفه عن أنفسنا هو صور جاهزة نمطية متشاكسة ليست دقيقة كذلك. لا توجد صورة يمكن أن تصف كائناً حياً. الكائن في صيرورة لانهائية لا يمكن إمساكها مطلقا، حتى الصورة الفوتوغرافية لا تصلح لتعريف الكائن إلا وصفاً لما ظهر منه أوان التقاطها بالزاوية المعينة في المكان المعين على الهيئة والسمات التي سجلتها الآلة وفق قدرتها التقنية. فما بالك إذن بما لم يظهر، وما لا يظهر.
عالم الصور هو ما ندرك به الأشياء، وهو ما يضللنا. هل نستطيع أن نستفيد منه دون الوقوع في شرك تضليله ؟ أم أن الأَولَى أن نلغيه مرةً بعد مرة لنتلقى شيئاً جديداً وحقيقياً ؟
ننظر دائماً إلى حياتنا فلا نقدر على الشعور بالرضا حيالها، ألا يجدر بنا أن نجرب شيئاً جديداً، أن نحاول اختبار ما نخشاه، أن ننهض من وراء المتراس الذي نتحصن خلفه، لأنه غير موجود إلا في أوهامنا.
علينا دائماً أن نذكر أن الحياة مثل مباراة تذاع مباشرةً على الهواء ما يفوت منها لا يعاد، فقط يظل ذكرى على الشريط. وما على الشريط هو ما سجلته الكاميرا وليس كل ما حدث هناك. وما نفعله نحن هو الاستمتاع بالشريط وترك الحياة الحقيقية.
تَذْيِيل
"ذَوِّب هُنَا صَلْصَالَنَا لِيَشُقَّ صُورَةِ هَذِهِ الأَشْيَاءِ نُورْ
حَلِّقْ لِتَتَّضِحِ المَسَافَة بَينَ مَا كُنَّا وَمَا سَيَكُونُ حَاضِرُنَا الأَخِيرْ
نَنْأَى ، فَنَدْنُو مِنْ حَقِيقَتِنَا وَمِن أَسْوَارِ غُرْبَتِنَا . وَهَاجِسُنَا العُبُور " محمود درويش – الهدهد.

هل يمكن أن نحيا حياة أفضل - 2


أَنَا وأَنْت حالةٌ تَارِيخيَّة

التَّوقُّف عن الهروب
ذكَّرني الأخ المكاشفي، في حسن ظنٍ ورقيق كلامٍ يصدر عن مثله وهم قليل، معلِّقا على المقال السابق، ذكَّرني بنيفاشا والحرب والسلام والاستفتاء والوطن الذي ربما ينقسم وينقسم معه وجداننا وذكرياتنا وأشياء كثيرة. بدون هذه التفاصيل المرهقة وآلامها – تلك التي أرهقته وأرهقتنا جميعا - لسنا في حالة أفضل، لذلك آمل أن نتجاوز حقاً كل التفاصيل (السياسية والاجتماعية والاقتصادية) حولنا ونجرب السكون الخلَّاق علنا ندرك ما لم ندركه في السعي المحموم والركض الدائم. إنها تفاصيل تزيدنا ارتباكا ولا شك، لكن اعتقد أنه في صميم كينونتنا هنالك القليل جداً من التفاصيل التي تؤثر علينا حقاً. إننا لا نهرب من الخارج إلى الداخل وإنما نتوقف عن الهرب إلى الخارج ونهتم بالداخل الذي أهملناه طويلاً.
إن جذور المشكلة تمتد لزمن بعيد. نقضي طفولتنا كلها نحلم بما سنكونه ونفعله عندما نكبر، وعندما نكبر لا نذكر ذلك ولا نريده، لأننا صرنا شيئاً آخر وآخر مرة بعد مرة. كلما كبرنا نصير أسوأ في الغالب لأننا نتخلى في كل مرة عن أشياء كثيرة. توجز الحكمة الدارجة ذلك "يريد الواحد تغيير العالم. ثم يكتفي بتغيير الوطن. ثم يتراجع إلى القرية. ثم يتنازل إلى الأسرة. ثم يتوقف محاولا تغيير نفسه في الستين من عمره". صيرورة العجز هذه تخلص بك إلى أن المعادلة معكوسة رغم أنك تتساءل كيف سيغيِّر شاب عشيريني نفسه التي لم تتشكل بعد ولم يبغضها بعد ليرغب في تغييرها.
ما نَطْلُبُه نَكُونُه
على عكس ما نعتقده أحيانا في أننا لا نتغير، نلاحظ أننا نتغير دائماً، لكن غالباً على غير النحو الذي نريد. نتغير كما تريد نفوسنا لا كما تريد عقولنا. إننا نتغير بسبب المعرفة وتجارب الحياة والخبرات والأهم بسبب ما جرينا وراءه. ما نطلبه نكونه. نكونه لا تعني أننا سنحصل عليه بالضرورة، تعني أننا نتغير فنشبه ما سعينا وراءه، نشبه أسوأ ما فيه أحياناً لأن لكل شيء ثمنه. نسعى وراء المال فيصيبنا الشح والجشع. نلهث وراء السلطة فنصبح متغطرسين ظلمة. نركض وراء الشهوات فيتملكنا الفسوق والخلاعة، يغرينا التملك فيملؤنا الحرص والحسد. نبتغي الشهرة فنصيب التفاهة والعُجب.
اختيار الأهداف الخيِّرة أكثر صعوبة لأن فيه عَدُوَّان: نفسك والشيطان يُخذِّلانِك عنه من جهة، و الله جل وعلا يعينك عليهما من جهة فتستجيب له مرة وتُدبِر مرات. تجذبنا المعرفة فنمرض بالتعالي والانغلاق. ننشد النور فنتعثر في الظلمة، نطلب التقوى فننتكس في الفجور. ثم إننا ننشد الكمال الذي هو أكثر تضليلاً من كل ذلك، نطلبه لأنه يبدو هدفاً لائقاً وراقياً وجديراً بالاحترام، لأننا نفتقر هذه الأشياء ربما. هذا الكمال المهني/الإنساني/الأخلاقي أشد خطراً لأنه ينطوي على الأمراض السابقة كلها وأكثر. لا شيء آمن، لا شيء نقيّ، كلّ ما نطلبه يتضمن اختبارا في أمراضه التي إمَّا نُشفى منها ونَطهُر أو تَعلَق بنا للأبد.
من نحن
نحلم "تأخذنا القصيدة من خرم إبرتنا لنغزل للفضاء عباءة الأفق الجديدة". ليست المشكلة أهدافنا الكبيرة وحسب بل حتى أهدافنا الصغيرة. إنها تتعلق دائما بشيء ما، تلهينا دائما بالخارج، بما ليس عندنا بما ليس نحن. حسناً ومن نحن؟ من أنت؟. سألت الكثير من طلابي هذا السؤال، وهم أناس أشدّ ضياعاً منا فيما يبدو إذ ينشدون لدينا حلولاً لمشكلاتهم.
هنالك "أنت" متعددون. "أنت" الذي يحبه البعض، و"أنت" آخر يبغضه البعض، و"أنت" الذي تعرفه في رضاك عن نفسك، وآخر عند سخطك عليها، وآخر اكتشفته مرة في ظرف استثنائي، وآخرون بلا حصر ولا عدد، فمن أنت؟ أنت لست واحداً منها دون الأخريات. أنت هي كلها وأكثر. كلما واتتك ظروفٌ مناسبة ربما تظهر أنت جديدة أو مختلفة. هذه "الأنات" الكثيرة متناقضة ولا بدّ - ولعل هذا يفسر تعاستنا – لكنها موجودة وإلا لم نكن لنراها. تشعر بالسلام والسكينة أكثر عندما تكون هذه الأنات أقل تشاكساً. لكنك تنتبه وتندهش حقاً بقدرة هذا البشري واحتمالاته اللانهائية. الإنسان في أصل تصميمه وخلقه مزوّدٌ بكل الاحتمالات "فألهمها فجورها وتقواها" وكل تجربة عنده تستفز فيه شيئاً معينا يكونه.
الاحتمال التاريخي
ما أصبحته أنت الآن هو الاحتمال التاريخي المتحقق من كل ممكناتك المحتملة. لو تغيرت الظروف ستتغير أنت – غالبا فلا أحد يمكن أن يعرف على وجه التأكيد ما الذي يطوي عليه المسار الآخر. لذلك عليك أن تنتبه عندما تتحدث عن نفسك إنك تتحدث فقط عن الاحتمال التاريخي، وليس أنت. الكامن لا زال موجودا عندك لم يُختَبر، لم يخرج، وهو جوهرٌ فريد لا يشبه أحداً آخر. عليك أن تشعر بالأسى عندما تعيش أسير هذا الاحتمال المحدود: فتُبغِض أشياء وأناس، وتحب أشياء وأناس، وتخشى أشياء وأناس، تتولد لديك عقدة من شيءٍ ما، أو تدمن شيئاً ما بسبب اعتيادك وتسليمك. تصير فعلا أسير هذا الاحتمال، رافضاً ذلك الغِنى الهائل اللانهائي في جماله وقدراته الذي بداخلك. عليك أن تتواصل مع جوهرك هذا وأن تستمد منه جمالك وقدرتك وتفرُّدك. لتفعل ذلك عليك أن تعرف في البداية من أنت.


كيف نعرف من نحن
علينا أن نعرف من نحن حقا، ليس من نريد أن نكون أو من نخشى أن نكون. علينا أن نتوقف قليلا لننظر إلى أنفسنا دون سعي لإصلاحها أو تجميلها أو إفسادها. أليس واضحاً أنه يتعين علينا قبل أن نُصلح شيئاً أن نعرف ما هو على الأقل. عندما سألت الطلاب ذلك السؤال كان واضحاً أنه ليس ممكنا العثور على الإجابة، ليس لأن السؤال جدليّ كما اعتقدت إحدى الشابات الذكيات، ولكن لأنه لا توجد إجابة صحيحة للسؤال، لا توجد إجابة يمكن التعبير عنها. علينا أن نعرف أنفسنا دون الاعتماد على أية تعبير أو لغة أو كلمات. لأن الكلمات تغير الحقائق.

هل يمكن أن نحيا حياة أفضل - 1


المسار الآخر والعَوْدُ الأبدي

أصبحت حياتنا معقدة وخشنة، أو لعلنا صرنا نحن معقدين وخشنين. نبحث عن الأفضل والأحسن والأكبر والأضخم وكلّ شيء. نريد أن نحصل على ما لا نحتاجه، نجمع ما لا/لن ننفقه، ندعي ما لا نعلم، ولا نعرف ما نريد في كثير من الأحيان. ماذا يحدث بالضبط؟.
الموت حياً على الهواء
كانت حياتنا قد تعقدت بالفعل منذ وقت طويل عندما صارت حدود معرفتنا أكبر من البيت، أكبر من القرية والوطن. الراديو والتلفزيون، وسعا نطاق الترفيه. وصار غير الجِدِّ، أهم من الجِدّ. يعمل الناس لينفقوا وقتهم وأموالهم في الترفيه: السينما، التلفزيون، الغناء ،كرة القدم، الرياضات المتنوعة، السياحة، والفُرجة، والاتصالات الهاتفية والدردشة. في العام 1991 نقلت شبكة سي إن إن الأمريكية الحرب على العراق على الهواء مباشرة لأول مرة في تاريخ البشرية، وجلس الناس أمام شاشات التلفزيون يشاهدون موت أناسٍ آخرينٍ. صار التلفزيون نموذجاً أضخم للكوليسيوم الروماني.
أحلام اكبر وصعوبات أكثر
كانت الصحف المطبوعة والسينما غيرت حياة الناس قبل ذلك فصاروا يهتمون لمعرفة أخبار البلاد البعيدة وآراء أناسٍ بعينهم في كل ما يحدث اسمهم الخبراء، لكنهم ليسوا من القرية ولا حكمائها. تغيرت الحياة فلم يعد الناس آمنون في بيتهم يذهبون إلى حقولهم أو مراعيهم ويعودون لبيوتهم ويعيشون حياتهم وحسب. "كنا نرى في النوم ما سنراه عند الفجر"(قصيدة الهدهد – محمود درويش). صارا يهتمون لكل ما يحدث في العالم من حروب ونجاحاتٍ أو سخف.
قبلها كان التعليم قد غيَّر حياة الناس، فمنح أفراداً عاديين، من العامة، فرصةً لتغيير واقعهم وحياتهم ومعاشهم، صاروا أطباء ومهندسين وأساتذة وعلماء يبارون النبلاء والأمراء والنُّظَّار. اهتز النظام الطبقي (القسري أو السلمي) للمجتمعات الإنسانية الساكنة لعصور طويلة وتحركت عجلة التغيير.
حسنا، ذلك كله لا يوازي ما عرف ب"ثورة الاتصالات" التي اجتاحت العالم منذ ثمانينيات القرن الماضي. الهواتف العادية والسيارة، والانترنت، والقنوات التلفزيونية التي لا حصر لها، بجاذبيتها التي لا تقاوم جعلت حياتنا أسهل وأصعب، أجمل وأقبح، أوضح وأغرب مما كانت عليه حياة أي أحدٍ من البشر الذين نعرف تاريخهم. ما نعرفه، وما نستطيع أن نعرفه، ما نعيشه من ترف وما نقدر عليه شيء لا يستطيعه ملوك العصور الوسيطة.

تشوُّش
صرنا مواطنين عالميين لا تؤرقنا قضايانا وحسب، وإنما كلّ أزمات البشرية، إذ نعرفها بالتفصيل، نتواصل مع أناس لم نرهم وربما لن نراهم أبداً. نكترث لهم ونهتم لأمرهم أكثر من جيراننا أو أهلنا. صرنا نعرف أكثر مما يجب فازددنا فراغاً، لأن المعرفة هي أن تدرك ما يهمك فعلا. الترفيه يقدم أكثر من المعرفة، التفاصيل التي لا قيمة لها عن أي شيء، وخصوصاً الناس والنجوم الذين نحسدهم بدل أن نشفق عليهم. الأثرياء والناجحون وأصحاب الأعمال الضخمة والنجوم الذين نعرف ألوان غرف نومهم وتفاصيل أكثر وأتفه، صاروا، بإغراء النجاح والمال، يشوشون رؤيتنا المضطربة أصلا لما نريد وما نحب وما نكون.
التفاهة
الابتكارات والأجهزة والسهولة والمعلومات اللانهائية التي تحت أيدينا لم تمنحنا حياة أفضل. صرنا أكثر قلقاً وخوفاً، وجهلاً. وكلما ازددنا قلقا وخوفا ازددنا سُعارا في طلب المزيد من كل شيء. نَفِرُّ إلى احتضان كل جديد، أو كل غامض قديم، أو البرمجة اللغوية العصبية أو نظرية السرّ علها تمنحنا شيئا من اليقين أو الكمال أو المعنى أو أي شيء. ولكننا لم نعثر إلا على شربةٍ لا تروي الظمأ، فالظمأ لكلِّ شيء ليس له رُوَاءٌ أبداً، مثله مثل الظمأ للاشيء. سُئل الكاتب الأمريكي المعروف آرثر ميلر ذات مرة، ماذا ترى عندما تنظر إلى حياتنا وعالمنا اليوم؛ فأجاب "التفاهة".
ما يُعَقِّدُ الأمر أكثر، أننا نحيا مرة واحدة ولا نتمتع بفرصة لتصحيح أي خطأ. مثل الرسام الذي يرسم الخطوط الرئيسية (الاسكتش) للوحة لكنه لا يكملها، فالخطوط هي اللوحة وحسب. لن تعرف مطلقا الاحتمال الآخر الذي لم تختاره، لن تعرف مطلقا أي شيء عن المسار الآخر، إلا الافتراض الساكن. والحياة ليست ساكنة، وإنما متفاعلة أبداً، متداخلة أبداً، مثل تفاعل نووي لا نهائي. الأعجب أنها تتفاعل حتى بعد موت الشخص، إذ يرونه في النوم أو اليقظة، أو يصلونه بالأعمال الصالحة، أو يمتد صلاحه ليُغيِّر حياة أحد أحفاده.
العود الابدي
طرح نيتشه فكرة العَوْدِ الأبدي، متسائلاً كيف تصبح قيمة حدثٍ معين لو أنه ظل يتكرر إلى الأبد. أحداث وأشخاص وأشياء ستفقد قيمتها التي اعتقدناها تستحقها، أحداث وأشخاص وأشياء ستكتسب قيمة لم نمنحها لها في المرة الأولى، سيتغير المنظور والقيم والدلالات للأحداث والتفاصيل ذلك ما لاحظه ميلان كونديرا.
المسار الآخر
لنمضي خطوة أبعد ونسأل كيف ستصبح حياتنا لو أمكن لنا أن نعرف لاحقاً، للعظة مثلاً، الاحتمال الآخر، الطريق الذي لم نسلكه. لعل حياتنا كانت ستغدو حافلة أكثر بالندم والخوف والاتعاظ الكاذب. ثم نمضي أبعد متسائلين كيف ستصبح حياتنا لو أمكن لنا، ليس دائما وإنما لعدد معين من المرات مثلا، أن نعرف مآلات الطريقين قبل أن نختار، ربما سنخطئ أقل ونتعثر أقل، في الحقيقة سنخطئ ونتعثر بشكل مختلف لأن اختبار الإنسان دائما هو الاختيار، الاختيار الذي ينبني على معطياته وذاته لا على الطريق، لأن الطريق كلها مفترقات طرق ومسارات متشعبة. لن تكون متأكداً من أن وظيفتك هذه الأفضل لك ولمواهبك على المدى الطويل أم أنها اختيار ذي عائد جيد فقط، لن تعرف لو أن هذه المرأة أحبتك أو خشيت الرفيق الآخر، لن تعرف إن كان ابنك يحترمك ويطيعك أم أنه يخشى العقاب الموعود، لن تعرف إن كان أصدقاؤك يحبونك بحق أم أنك اختيار أكثر أماناً ونفعاً لهم. إننا نحيا حياتنا مرة واحدة، لذلك ربما علينا أن نغتنمها كما هي. تقوم حياتنا الآن على الظن والاعتقاد والإيمان وعدم اليقين، وهذا جوهر اختبار الإنسان.
ليس الأمر أقل تعقيداً عما كان عليه في البداية. وفي النهاية، أو في البداية، ليست المشكلة أننا لا نعرف ما نريد، المشكلة هي أننا لا نعرف من نحن.
تذييل
عزيزي القارئ هذه هي الحلقة الأولى في البحث عن إمكانية أن نحيا حياة أفضل. أرجو أن تثير حواراً مفيداً وألا تعتبر رؤية منغلقة، فلعل أحدنا يعرف كيف نحيا حياة أفضل فنتعلم منه.

الخميس، 26 فبراير 2009

بعد رحيل الطيب صالح

فِي ذِكرَى أُمّ الحَسَن وَبِت حَمْدُون

** (روي أن معروف الكرخي رأى رجلا وليس بإنسان فقال له: من أنت؟ قال: ملكٌ بعثني الله لأكتب المحبين؟ فسأله: هل أنا فيهم؟ قال: لا؟ فقال: اكتبني فيمن يحب المحبين. فأوحى الله سبحانه وتعالى للملك : اكتبه أول المحبين؟ ). إهداء لمن أنعم الله عليهم بمحبة من يحب المحبين ، ولكل من حَزِن أو رَقَّ لغياب الطيب صالح ممن عرفوا قيمته أو ظنوا.
قبل وقت قريب كنا جماعة نتحدث : لماذا صار الناس يموتون أكثر مما كانوا يموتون من قبل؟ هل لأن البشر على هذه الأرض صاروا كثيرين جدا؟ أم لأننا صرنا نكترث للموت أكثر؟ أم لأن الموت صار أكثر تنوعاً من ذي قبل؟ أم لأن الموت الآن يذاع في الراديو والتلفزيون والصحف؟
اتفقنا على أن الموت كثُر، رغم أننا صرنا نرفع (الفُراش) في يومه ولا نُعز أمواتنا بالأسبوع ولا الأربعين. هل صار الموت والفقد أهون علينا مما كان؟ ربما، فلا يوم يمر عليك دون موت قريبٍ لك أو قريب لأحد معارفك في العمل أو الحي. اعتقدت أيضا أن الموت لم يعد بالقوة التي كان عليها في وجداننا لأننا نعرف ونحس ونتعاطف مع عددٍ أكبر من الناس، أهلنا وأصدقاؤنا وزملاؤنا وأهلهم، وضحايا ما تجنيه البشرية من مآسي في كل بقاع الأرض. صرنا نعرف أكثر ونتألم أكثر مع أهل غزة وضحايا تسونامي وحتى الضعفاء المحرومين في الأفلام والمسلسلات. هل صرنا أكثر إنسانية؟ لا، ربما صرنا أكثر وحشية. البعض يرتكب فظائع القتل والبعض يرتكب فظائع النشر الجارح. لكن الإعلام أيضا عرفنا بالكثير من البشر الرائعين ماركيز ودرويش ومارلون براندو وجوني ديب، والأهم الطيب صالح. العجيب أننا نعرف عن بعضهم أكثر مما نعرف عن أقاربنا، أو هكذا نتخيل.
لقد حزنت مثل كثيرين على غياب الطيب صالح، رغم إنني مثل كثيرين لم أعرفه عن قرب، ولم ألتقه مطلقا، بل أقرب ما كنت إليه حين كان يتحدث في التلفزيون. لا أدري لماذا لكنه كان حزناً لم أعرفه منذ العام الذي فقدت فيه جدتي الاثنتين. لم أعرف الحزن لموت جديَّ لأنهما توفيا قبل مولدي بعشرين عاما أو نحوها.
سألت نفسي: كيف يمكن أن تحزن هكذا على شخص لم تكن قريبا منه؟ هل لأنك تعتقد أنك كنت تعرفه؟. قبل شهور قليلة غيب الموت عنا الشاعر الكبير محمود درويش وهو رجل يكن له الكثير من الناس في العالم العربي، وأنا منهم، تقديراً ومودةً ومحبةً كبيرة. ربما الطيب ومحمود كان جدين بديلين يحدثاني عن الحياة والإنسان وما يستحق.

لماذا تعتقد أنك تعرف كاتبا لا تعرفه مثلما تعرف جدتك التي تعرفها؟ هل يمكن لأحد أن يكون في مقامها أو صلتها أو قربها. لا أحد مثل الجدة، إطلاقا. وفي زمان رخيٍّ أدركت بعضه كنا نسميها"الحبوبة" وهو اسم لم يشتق من الأمومة وإنما من المقام الأرقى الذي تنتهي إليه الأمومة، المحبة والحنان. هذا الاسم العجيب يعني من وجه (الذي يعطي من الحب بلا حدود)، ويعني أيضا في الجانب الآخر من المعنى، (كل رقيق جدير بالحب).
هل كان الطيب يشبه الحبوبات؟
نعم، وللجميع، حتى أولئك الذين لم يدركوا زمان الحبوبات. يمنحك ما تمنحه الحبوبات: الأنس وحسن الصحبة والبريق الذي يغمر عيوننا عندما نعتقد أننا عرفنا سر الأشياء كلها. بين (أحاجيهن) و رواياته شبه الأصل ببعضه.
ما يجمع بين أحاجي الحبوبات والروايات المعقدة للكتاب الكبار، القدرة على تمييز الأشياء المهمة من غيرها، والفهم العميق للإنسان، والقدرة على الحكم على الناس والمواقف والأحداث، والقدرة على الخلق والابتكار، وما يلسع وجدانك.
لكن لماذا تحس بشبه أكبر بينه وبين جدتك؟ ربما، مثل جدتك، لأن صحبته ممتعة وشفيفة ورقيقة وحانية، ربما لأنه يتجاوز سطح الأشياء فيمنح لما نرى طعما لا نتذوقه في العادة. ربما لأنه مثلها يحقق رغباتك التي تتعارض مع ما يعتقد الوالدان او العقل والحكمة، تمنحك الحلوى و(القروش) ولا تهتم لأسنانك. ربما لأن فيه رائحة الجدة حين تعطن وجهك في نحرها فتغرق في عطرٍ لا يمكن أن يصنعه أحد، لأنها جزء منه، أو هو في الحقيقة جزء منها. ومثل جدتك التي كانت بحنان لا يوصف تضمك إليها حتى صرت تحفظ وتحب كل التجاعيد على وجهها ويديها؛ وتجود عليك بما لا يمنحه أحد سواها، الوقت والاهتمام والمعرفة؛ يخصك هو بالأسرار والأفكار وما لا يمكن أن ينسبه لنفسه على لسانه. صرت تعرف وجوهه العديدة واحتمالاته اللامتناهية، التي يحبها أو يبغضها، فبداخل كل منا فيه ما يحبه ويبغضه. ربما لأنه مثل جدتك التي تعرف بعد هذه الحياة الطويلة ما يهم وما لا يهم، ما يستحق وما لا يستحق، وتعرف ما لا ندرك قيمته إلا بعد فواته. لذلك لا تخشى فعلا ولا مقالة من أحد، تفعل ما تشاء وعلى الآخرين أن يرتبوا حالهم لإرضائها أو يلوذوا بالصمت العاجز. ربما، مثل جدتك، يعرف أن الحياة هي الآن وهي ما تتعلق به وما تدركه وما تحياه، فلِمَ تقلق بشأن أسنانك بعد عشرين أو خمسين عاما. يقضي الانسان طفولته يحلم بان يصير رجلا، وعندما يبلغ مبلغ الرجال يتمنى لو يعود طفلا كما كان، فلا هو عاش طفولته بحقها ولا هو انتفع برشده كما ينبغي.
ربما لأنه، مثل جدتك التي تجعل الحياة أجمل مما هي عليه في الواقع لأنها تعرف الجمال الحق والحياة الحقيقية، ولأنها تستطيع أن تبصر الجمال في وسط القبح وتنتبه للقبح المغطى بالجمال، ومن غيرها يمكن أن يزعم ذلك وقد عاشتها ورأت فيها كل ما يُرَى.
ربما لأنه، مثل جدتك ، منحك أفضل ما عنده، أخذ من روحه ونفسه وعقله وحياته وبذلها إكراما لك. جاد عليك في زمان جهلك بأغلى ما وصل إليه في أوان حكمته.

ربما لأنه مثل جدتك التي تشع حناناً ومعرفةً بالحياة، يعرف ويتفهم الخير والشر كيف يعملان داخل الإنسان وكيف ينتصر احدهما على الآخر؛ ولأنه يتفهم ذلك ولعله يتعاطف معنا بروحه الواسعة حينما لا نفعل الخير عجزاً أو غباء ويأسو علينا عندما نتركه طمعاً أو كذباً أو كبراً.
إنه مثل جدتي في أشياء كثيرة لكنها تتفوق عليه في الذكريات الشخصية التي تبقى بعض صورها برغم تقادم العمر وتبهت أخرى. لكن الطيب يتفوق على جدتي في حياته الممتدة على صفحات الكتب، فلا زال بإمكاني أن أعود إليه (ليحجيني) وقتما أشاء. وهو أمر يُسَرِّي عني كثيرا إلى حد يمكنني من الزعم أن علاقتنا لم ولن تهتز، فقد كانت عبر صفحات الكتب دائما، بل ربما تصبح أفضل مما كانت عليه مع تقدم العمر وزيادة الوعي والتجربة، ومع الحنين إليه فقد كنت أرجو أن ألتقيه يوما ولو لقاءاً عابرا.
وما لم تكن على عينيك غشاوةٌ ما، كان الطيب صالح رجلا لا تملك إلا أن تحبه. كان عندما تراه (في الواقع أو التلفزيون) تشعر بأنك تعرفه لأنه ينضح بالألفة والحنان والحب بلا مقابل، وينضح بشيء عزَّ أن يملكه الناس الآن، التواضع الجم.
وما التواضع، أظُنُّه، إلا خلاصة الإيمان حينما تدرك أنك عند الله ضعيف وفقير وعاجز، وليس ثمة أنت أو أي أحدٍ تتكبر عليه، وإنما أشخاص ضعاف فقراء عاجزين مثلك تشفق عليهم وعلى نفسك. وأنا أتأمل من ضعتي هذا المقام حدثث نفسي (وددت لو أني ممسك بخطام فرسه) فحدثتني (لا تغتر فلست أهلا) فأطرقت في الأرض (اكتبني فيمن يحب المحبين) وحسبي.
يموت الناس فينتقلون إلى رصيف الانتظار ريثما تبدأ الحياة الحقيقية، وقد نزلوا جميعا (الطيب وجدتاي ودرويش) عند كريمٍ فلا خشية عليهم، وإنما الخشية لو بقوا بيننا. لعل الطيب الآن في راحة من عناء الكلي وآلام الجسد وإشفاقه على إشفاق من حوله وهم يعانون معه (لا كرب على أبيك بعد اليوم). لعله يتبسَّم الآن وقد تخلص من عناء الجسد الذي عجز بعد ثمانين عاما عن احتواء الروح التي لا يسعها حد. لعله هناك مع الحنين وود دوليب المتجاوزين ما نرى والرائين ما لا نرى. ولعل درويش يشعر بالراحة من المشوار الطويل، لم يجد خبز أمه لكن لعله معها متعلقا بثوبها، لا تبكي عليه ولا يبكي عليها.
ولعل جدتاي تنظران إلي من علٍ، راضيتان إذ وجدت من يؤنسني (ويحجيني)، تنتظران عندما أصير جداً وأعرف ما كن يعرفن وأشعر بما كن يشعرن به، وحينها أدرك حقا من كن. ولأني أحببتهم لست حزيناً عليهم، وإنما حزنت على نفسي لأني لن ألتقيهم بعد اليوم على هذه الأرض. في الحقيقة لا يجب أن أكون حزينا فقد مُنحت محبتهم وهي مِنَّةٌ غالية.